يحيي بن حمزة العلوي اليمني

169

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ( 17 ) [ سبأ : 17 ] فإذا وقف السامع على قوله تعالى : « وهل يجازى » بعد ما تقدم من الكلام والإحاطة به ، فإنه يعلم لا محالة أنه ليس بعد قوله وهل يجازى إلا « الكفور » وعلى هذا ورد قوله تعالى : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ( 60 ) [ الرحمن : 60 ] فإذا وقف السامع على قوله هل جزاء الإحسان ، تحقق لا محالة أن ما بعده قوله إِلَّا الْإِحْسانُ ( 60 ) لما في ذلك من الملائمة وشدة التناسب ، ومثل هذا محمود في الكلام كله نثره ، ونظمه ، وهو في كتاب الله تعالى : أكثر من أن يحصى ، وما ذاك إلا لأن خير الكلام ما دل بعضه على بعض ، وأحق الكلام بهذه الصفة هو كلام الله ، فإنه البالغ في الذروة العليا من الفصاحة في ألفاظه ، والبلاغة في معناه . المثال الثاني من السنة الشريفة ، وهذا كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : فما بعد الموت من مستعتب ، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ، فإن السامع إذا وقف على قوله : فما بعد الدنيا من دار ، فإنه يتحقق لا محالة أن ما بعده « إلا الجنة أو النار » لما بينهما من شدة الملائمة وعظيم المناسبة ، ومن هذا قوله عليه السلام لما سار لفتح خيبر ، فلما رآها قال الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ، فإن السامع إذا وقف على قوله : نزلنا بساحة قوم ، عرف أن ما بعده ، فساء صباح المنذرين ، لأن قوله إذا نزلنا بساحة قوم فيه وعيد عظيم لهم بالبوار والإهلاك فهو دال على قوله فساء صباح المنذرين ، لأنه لا صباح أعظم في البلاء من ذلك اليوم لما اشتمل عليه من القتل والأخذ ، ونهب المال ، ولا بلاء مثل هذا ، وهذا وإن كان قد سبق به القرآن لكنه قد تكلم به في ذلك اليوم ، فلا جرم أوردناه في أمثلة السنة ، وإنما عظم موقع الآية وكان لها من الفخامة وعلو الشأن في البلاغة ، لما كانت واردة على جهة التمثيل ، مثل حالهم في عدم التفاتهم إلى ما أنذروا من العذاب الأليم بحال من أنذر بحصول الجيش فلم يلتفتوا ولا أخذوا أهبة الحذر منه حتى نزل بدارهم فقطع دابرهم واستأصل شأفتهم ، فمن أجل هذا لاءم قوله فإذا نزل بساحتهم إلى آخر الآية ، حتى فهم آخرها قبل ذكره ، ومن هذا قوله عليه السلام في صفة القرآن : فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ، فإنه شافع مشفّع وشاهد مصدّق من جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو أوضح دليل 7 لي خير سبيل ، من قال به